قال إبراهيم بن سعيد الجوهري،قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن عمرو بن العاص أنه قال :- قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ قِيلَ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا

ضع بريدك ليصلك جديدنا

كذب وافتراء الشيعة

الصديقة بنت الصديق

عدد الزوار

المصحف الالكتروني

أضف الى معلوماتك

بركتها رضي الله عنها ومن بركتها رضي الله عنها أنها كانت السبب في نزول بعض آيات القرآن ، من ذلك آية التيمم ، فعنها رضي الله عنها أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت أي ضاعت ( فأرسل رسول الله ناساً من أصحابه في طلبها ، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي شكوا ذلك إليه ، فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير : جزاكِ الله خيراً ، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجاً ، وجعل للمسلمين فيه بركة ) متفق عليه .

فذكر ان نفعت الذكرى

رمضان على الابواب

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

من نكـــون

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مواقف ذات عبر من حياة الصديقة عائشة رضي الله عنها

الحَمدُ لله وحْدَه، والصلاةُ والسلام على مَن لا نبيَّ بعْدَه.

أمَّا بعد:
فإنَّ في التاريخ عِبَرًا، وفي الكون مَشاهد لآثارِ مَن سَبَق، والمتأمِّل لواقع الناسِ اليومَ يَجِد البَوْن شاسِعًا بيْن هذا الجيل وبيْن الجِيل الذي تربَّى في مدرسة النبوَّة، وإنَّك تُوثِّر بفِعْلك أبلغُ ممَّا تؤثِّر بقولك، وقديمًا كانوا يقولون: فِعْلُ رجلٍ في ألْف رجل، خيرٌ مِن قول ألْف رجل لرجل، والحياةُ التي نَعيشها تُعلِّمنا الكثير، والمرأةُ لا تختلِف عنِ الرَّجُل في تحمُّل المسؤولية؛ فهي الأم، والزوجة، والبنت، وكثيرٌ مِن النساء مَحَاضِن خالدة لتربية الأجيال، تَصلُح نبراسًا وأُنموذجًا لفتياتِنا وأمَّهاتنا وأَخواتنا، في وقتٍ أصبحتْ مُصمِّمة الأزياء، والممثِّلة هي القُدوةَ، وهي الأُسوة، إلا عندَ مَن رَحِمهنَّ الله سبحانه، والنِّساءُ الصالحات في الأُمَّة كثير، وفي المقدِّمة أزواجُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى رأسهنَّ أُمُّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - مَن نَزَل الوحيُ في لحافها، والأمْر الإلهي لرسولِه في زواجِه منها، الصَّوَّامة، القوَّامة، مَن حَوَتْ عِلم الشريعة، حتى صارتَ مربيةَ الأجيال، ومُعلِّمة الرِّجال.

وإنَّ في ذِكْر نُبذٍ من مواقفها ما يُعين على التهذيبِ، ويَبْعَث على القُدوة، ويَنفُخ رُوحَ الحياة، وما حَيِيَ خَلَفٌ إلاَّ بحياة سَلَف، وما حياةُ السَّلَف إلا بحياة تاريخِهم ودوامِ ذِكْرهم، لماذا؟ لأنَّ هؤلاء الأخيارَ ذِكْر مواقفهم دواءٌ للقلوب، وجلاءٌ للألباب مِن الدَّنَس والعيوب، وقُدوةٌ في زمن كادتِ القدواتُ أن تَغيب، فمِنهم مِثالٌ يُحتذَى، ونِبراسٌ يُقتدَى؛ ليَعرفَ المتأخِّرُ للمتقدم فضْلَه، ويسعَى على دَرْبِه ونَهْجِه.

بالوقوفِ على أخبارِها، وبعض مواقفها تحيا القلوب، وباقتفاء آثارها تحصُل السَّعادة، حتى تكونَ القُدوة بجميل الخِصال، ونبيل المآثر والفعال.

وهأنذا أعْتَرِف بالعَجْز والتقصير في حقِّ أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - لأنِّي لا أستطيع أن أوفيَها حقَّها في هذه الكلمات، فأَخطو بقَدمي خُطوة لأدخلَ هذا البستان الذي غُرِستْ فيه أبهَى وأعظم زَهْرة في الكون كلِّه، فلقَدْ غُرِست في بستان الإيمان، وسُقِيت بماء الوحي، ففاح عبيرُها وعِطرها، فملأ ما بيْن المشرق والمغرب.


وإليك أخي القارئ، مواقفَ مِن بيت النبوة، تُنبئك عن صِدْق قولي لأمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
الموقف الأول: "أشركاني في سِلمِكما كما أشركتُماني في حربكما:
رَوى الإمام أحمدُ في مسنده، وأبو داود في سُننه عنِ النُّعْمان بن بشير، قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسَمِع عائشةَ - رضي الله عنها - وهي رافعةٌ صوتَها على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأذِن له، فدخل فقال: يا ابنةَ أمِّ رُومان - وتناولها - أتَرْفعين صوتَكِ على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟! قال: فحالَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بينه وبينها، قال: فلَمَّا خرَج أبو بكر جعَل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول لها يتَرَضَّاها: ((ألاَ تَرَين أني قد حُلْتُ بيْن الرجل وبيْنَك))، قال: ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه، فوجَدَه يضاحكها، قال: فأذن له فدخَل، فقال له أبو بكر: يا رسولَ الله، أشْرِكاني في سِلْمِكما كما أشْركتُماني في حَرْبِكما.

فانظرْ إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - القُدوة؛ كيف أنَّه يُحادِث  عائشة - رضي الله عنها - وهي ترْفَع صوتها عليه، ومع ذلك لم يُغضِبْه ذلك ولم يتبرَّم، فالعاقل مَن يستطيع أن يُوازنَ بيْن أموره، ومَن كَرِه خُلقًا رَضِي آخَر، وخطأ اليوم يُصلح في غدٍ، ثُمَّ انظر إلى الصِّدِّيق لم يعجبْه أن ترفع ابنتُه صوتها على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهَمَّ أن يضربَها، فحال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بينه وبين عائشة - رضي الله عنها - ثمَّ جعَل يترضَّاها فرَضِيت، هل يضرُّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن ترضَى أو تغضَب عائشة؟! كلاَّ والله، بل إنَّ رِضاه هو - عليه الصلاة والسلام - هو المعتبَر، ولكن هذا درسٌ لنا معاشرَ الأزواج؛ حتى نتفَّهمَ طبيعةَ المرأة.

الموقف الثاني: ((غارت أمُّكم)):
رَوَى البخاريُّ عن أنس قال: كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندَ بعض نسائه، فأرسَلتْ إحْدى أمَّهات المؤمنين بصَحْفَة فيها طعامٌ، فضربتِ التي النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بيتها يدَ الخادم، فسقطَتِ الصَّحْفة، فانفلقتْ، فجمَع النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَلقَ الصَّحْفة، ثم جعَل يجمع فيها الطعامَ الذي كان في الصحفة، ويقول: ((غارَتْ أمُّكم))، ثم حبَس الخادم حتى أُتِي بصَحْفة مِن عند التي هو في بيْتها، فدَفَع الصَّحْفة الصحيحةَ إلى التي كُسِرتْ صَحفتُها، وأمْسَك المكسورَة في بيْت التي كَسَرَت.

وأَرْدَأُ الرجال هو الرجلُ الذي لا تَشعُر المرأةُ بالأُنس معه، وقدْ كان الرسولُ - عليه الصلاة والسلام - يجْلِسُ لأزواجه، ويَستمِع شكايتهنَّ، ويحلُّ المواقِفَ العصيبة جدًّا بكلِّ راحة واطمئنان، ولو تعلمْنا مِنَ النبي - عليه الصلاة والسلام - صِفةَ الزَّوْج الصالِح لانتهتْ مشاكلُ البيوت، فانظرْ إليه - عليه الصلاة والسلام - كيف انتهتِ المشكلة، غيَّر طعامًا بطعام، ثم تَبسَّم وانتهى الأمر!

وهكَذا إذا عَزَّ أخوك فَهُن، فإذا كانتِ المرأة متعصِّبة ومُتصلِّبة فهُن، ولا يأخذ الرجل العِنادُ والأَنَفة، ويُبادر بالطلاق، فيُصرِّح به في وقت، ويكني في وقتٍ آخَر، كما لو كان الطلاقُ سيُسْحَب منه، فيُريد أن يستخدمَه قبل أن يُسحَب منه.

الموقف الثالث: تجرُّد وإنصاف:
روَى أبو داود والترمذيُّ في سُننهما عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: قلت للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: حسْبُك من صفيَّة كذا وكذا، قال: - تعني قصيرة - فقال: ((لقدْ قُلتِ كلمة لو مُزِجتْ بماءِ البَحْر لمزجَتْه))، قالت: وحكيتُ له إنسانًا، فقال: ((ما أُحِبُّ أنِّي حكيتُ إنسانًا وأنَّ لي كذا وكذا)).

والمعنى - كما يقول شُرَّاح الحديث - أنَّ هذه الغِيبة لو كانتْ ممَّا يُمزَج بالبحر لغيَّرتْه عن حاله، مع كثرتِه وغزارتِه، فكيف بأعمالٍ نَزْرة خُلِطت بها؟!

تأمَّل معي هذا الموقِفَ تَرَ عجبًا، عائشةُ أحبُّ النِّساء إليه، وابنةُ أحبِّ الناس إليه، ومع ذلك لم يمنعْه - عليه الصلاة والسلام - حبُّه لعائشةَ أن يكفَّها عن قَوْلها، ويُنذِرَها مَغبَّة فِعلها.

حديثٌ مِن أبلغ الزَّواجر عنِ الغِيبة، إذا كان هذا شأنَ كلمةٍ هي في المقول فيها، فإنَّ عائشة - رضي الله عنها - قالت عنها: إنَّها قصيرة، وكانتْ قصيرة، فكيف حالُ مَن يتكلَّم في غيرِه بكلمة مفتراة عليه، إنَّا لله وإنا إليه راجعون، مِن كلمة تُوقِع الإنسان في الهلاك.

إخوتاه، الوقيعةُ في الأعراض بِضاعَة الجبناء، وكفُّ اللِّسان عن المسلمين سِمةُ العلماء، وكلٌّ إلى جِنْسه يَحِنّ.

قال ابن القيِّم - رحمه الله -: أهلُ الصِّراط المستقيم كفُّوا ألسنتهم عنِ الباطل، وأطْلقُوها فيما يعود عليهم بالنَّفْعِ في الآخِرة، فلا ترَى أحدهم يتكلَّم بكَلِمة تذهب عليه ضائِعةً بلا منفعة، فضلاً عن أن تضرَّه في الآخِرة، وإنَّ العبد ليأتي يومَ القيامة بحسناتٍ أمثال الجِبال، فيجد لسانَه قد هَدَمها كلَّها، ويأتي بسيئاتٍ أمثالِ الجبال، فيجد لسانَه قد هدَمَها؛ مِن كثرة ذِكْر الله وما اتَّصل به"؛ ا.هـ "الداء والدواء" (ص: 227).

الموقف الرابع: فطنة وذكاء:
روَى الإمامُ مسلم في صحيحه عن محمَّد بن قيس بن مَخْرَمة بن المطلب: أنَّه قال يومًا: ألاَ أُحدِّثكم عنِّي وعن أمِّي؟ قال: فظننا أنه يُريد أُمَّه التي ولدتْه، قال: قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: ألا أُحدِّثكم عنِّي وعن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قلنا: بلى، قال: قالت: لَمَّا كانتْ ليلتي التي كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيها عِندي انقَلَب فوَضَع رِداءَه، وخَلَع نعلَيْه فوضعَهما عندَ رِجليه، وبسط طَرْفَ إزاره على فِراشه فاضطجع، فلم يلبثْ إلاَّ رَيْثما ظنَّ أنْ قد رقدتُ، فأخذ رِداءَه رُويدًا، وانتعل رُويدًا، وفتَح الباب فخَرَج، ثم أجافه رُويدًا، فجعلتُ دِرعي في رأسي واختمرتُ وتقنعتُ إزاري، ثم انطلقتُ على إثره، حتَّى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رَفَع يديه ثلاثَ مَرَّات، ثم انحرَف فانحرفتُ، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحْضَر فأحضرتُ، فسبقتُه فدخلتُ، فلَيْس إلا أنِ اضطجعتُ فدَخَل، فقال: ((ما لَكِ يا عائشُ حَشيَا رابيةً؟!))، قالت: قلت: لا شيء،  قال: ((لتُخبريني أو ليُخبِرنِّي اللطيفُ الخبير))، قالت: قلت: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأمِّي، فأخبرتُه، قال: ((فأنتِ السَّوادُ الذي رأيتُ أمامِي؟)) قلت: نعم، فلهَدَني في صدري لهَدةً أوجعتْني، ثم قال: ((أظننتِ أن يَحيفَ اللهُ عليك ورسولُه؟!)) قالت: مَهْمَا يكتمِ الناسُ يَعْلمْه اللهُ، نَعَمْ، قال: ((فإنَّ جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني، فأخفاه منكِ فأجبتُه فأخفيتُه منك، ولم يكُنْ يدخُل عليك وقد وضعتِ ثيابَك، وظننتُ أنْ قد رقدتِ، فَكرهتُ أن أوقظَك، وخشيتُ أن تستوحشي، فقال: إنَّ ربَّك يأمرُك أن تأتي أهلَ البقيع فتستغفرَ لهم))، قالت: قلت: كيف أقولُ لهم يا رسولَ الله؟ قال: ((قُولي: السلام على أهل الدِّيار مِنَ المؤمنين والمسلمين، ويَرحَم الله المستقدمين منَّا والمستأخِرين، وإنَّا إنْ شاء الله بِكم للاحِقون)).

في هذا الموقِف تُحدِّث عائشةُ  - رضي الله عنه - عن نفسِها، والمرءُ غالبًا إذا حدَّث عن نفسه يَزيد في الكلام حتى يُرِيَ مَن أمامَه أنه صاحِب ثقل، وأنه مهم، ولا يأتي بكلامٍ يشينه، أو يكون فيه ازدراءٌ له أمامَ الآخرين، وكانتْ عائشة - رضي الله عنها - تَحدَّثتْ بكلام عنها وعن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخبرتْ أنَّ ثَمَّة ليلةً كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندها، فغارتْ أن يذهب إلى إحْدَى نسائه، فخرَج مِن عندها وخرجتْ خَلْفَه، وهو لا يَعرِفها، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا مشَى فكأنما يَتحدَّر من صبب، فرأى خيالاً أمامَه، ثم أسْرَع في الخُطَى، فأسرعتْ؛ حتى لا ينكشفَ أمرُها أمامَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلمْ يعلم أنها السوادُ الذي كان أمامَه، فلاطفَها بترخيم اسمِها، قائلاً: ((ما لَكِ يا عائشُ؟))، وهكذا الرِّجالُ يَنبغي أن يُلاطِفوا نساءَهم، لأنَّ المرأة تستوحش بُعْدَ الرجل عنها، والداعي للملاطفةِ هو المحبَّة والمودَّة، والرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندَما كانتْ عائشة تشْتكي، كان يكون معها في غايةِ اللُّطف، ضرَبها ضربةً خفيفةً أوجعتْها، لكنها كانتْ من يَدٍ حانية، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما كان يَضرِب أحدًا إلاَّ أن تُنتَهَك حُرماتُ الله تعالى، وأخْبَرها أنَّ ربَّه لا يَظلمها، ولا رسولُه، فيستحيل أن يَقعَ منه ظلم لأحدٍ، فضلاً عن أحبِّ الناس إليه، ثم أدارتْ بالكلام، وقالت: ماذا أقول إنْ أتيتُ المقابر، فعَلَى المرأةِ العاقلة إذا تناقَشَتْ مع زوجِها، ورأتْ منه شِدَّةً وعِنادًا في الحوار، أن تُغيِّر طَرَفَ الحوار؛ حتى لا تكون تعيسةً في حياتها، ثم عَلَّمها دعاءً تقوله إذا أتَتِ المقابر.

الموقف الخامس: حكمة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تعامله مع نسائه:
رَوى الإمامُ مسلم في صحيحه: أنَّ عائشة زَوْج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قالت: أرْسَل أزواج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاطمةَ بنتَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاستأذنتْ عليه وهو مُضطجِع معي في مِرطي، فأذِنَ لها، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أزواجَك أرسلْنني إليك يسألْنَك العدلَ في ابنةِ أبي قُحافةَ، وأنا ساكِتة، قالت: فقال لها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أي بُنيَّة، ألستِ تُحبِّين ما أُحِب))، فقالت: بلَى، قال: ((فَأحبِّي هذه))، قالت: فقامتْ فاطمةُ حين سمعتْ ذلك مِن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فرجعتْ إلى أزواج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبرتْهنَّ بالذي قالت وبالذي قال لها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقُلْنَ لها: ما نراكِ أغنيتِ عنَّا مِن شيء، فارجعي إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقولي له: إنَّ أزواجك ينشدنك العدلَ في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أُكلِّمه فيها أبدًا، قالت عائشة: فأرْسَل أزواج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - زينبَ بنت جحش زَوْج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي التي كانتْ تُساميني منهنَّ في المنزلة عندَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم أَرَ امرأةً قطُّ خيرًا في الدِّين مِن زينب، وأتْقَى لله، وأصْدق حديثًا، وأوْصَل للرَّحِم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تَصَدَّق به وتَقَرَّب به إلى الله تعالى، ما عدا سَورةً من حَدٍّ كانتْ فيها، تسرع منها الفيئةَ، قالت: فاستأذنتْ على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع عائشةَ في مِرْطها على الحالة التي دخلَتْ فاطمة عليها، وهو بها، فأذِن لها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أزواجَك أرسلنني إليك يسألْنَك العدلَ في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقَعَتْ بي فاستطالَتْ عليَّ، وأنا أَرْقُب رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأرْقُب طَرْفَه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تَبرحْ زينبُ حتى عرَفَتْ أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يَكْرَه أن أنتصِرَ، قالت: فلمَّا وقعتُ بها لم أنشبْها حين أنحيتُ عليها، قالت: فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتبسَّم: ((إنَّها ابنةُ أبي بكر)).

ألاَ ما أعظمَ هذا النبيَّ الخاتم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتَلطُّفَه بأهله! فهذا درسٌ للنساء يتعلمْنَ منه، وينظرن إلى هذا الوفاء، فإذا كان هذا الفِعل يُعكِّر على الزوْج فلا تفعله، فإنَّ عائشة - رضي الله عنها - ما قامتْ ودافعتْ، إنما قالت: "فنظرتُ إلى وجه النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - هل يَكْرَه أن أنتَصِر؟ فهذا دَرْس تُعلِّمه السيِّدة عائشة للنساء، أنَّها تُراعي زوجَها، فإذا كان زوجُها يَتضجَّر من صِفة معيَّنة، فلا يجوز أن تفعلَها أبدًا، وهذا هو مقتضَى الوفاء والعِشْرة بالمعروف، فانظر إلى حِلْمه - عليه الصلاة والسلام - وصبْره على تحمُّل نِسائه، وهكذا الرِّجال يتعلَّمون من سيِّد البشر - عليه الصلاة والسلام - مراعاةَ نفسيَّة النِّساء، وكلُّ نُشوزٍ - أو جُلُّ النشوز - في البيوت سببُه الرجل؛ لأنَّه لا يقوم بحقِّ القِوامة، ولو قام بحقِّ القِوامة لقَلَّ أن تنشُزَ المرأة، فلا تنشُز المرأة إلاَّ بعدما يُهدِر الرجلُ قِوامته، أو بعضها، أو يتسامح فيها.

الموقف السادس: "ما أهجر إلاَّ اسمك":
رَوى الشيخانِ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالتْ: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي لأعَلمُ إذا كنتِ عنِّي راضية، وإذا كنتِ عليَّ غَضْبَى))، قالتْ: فقلت: مِن أين تَعرِف ذلك؟ فقال: ((أمَّا إذا كنتِ عنِّي راضية، فإنَّك تقولين: لا وربِّ محمَّد، وإذا كنتِ غضْبَى قلت: لا وربِّ إبراهيم))، قالت: قلت: أَجَلْ، واللهِ يا رسولَ الله، ما أَهْجُر إلا اسمَك.

قال الحافظ ابن حجر: "يُؤخَذ من الحديث استقراءُ الرَّجُل المرأةَ مِن فِعلها وقولها فيما يَتعلَّقُ بالمَيْل إليه وعدمه"؛ ا.هـ فتح الباري (9/326).

المرأةُ تَشْعُر بالأمان مع زوْجها إذا بادَلَها الحبَّ والمشاعِر، فتجد قلبَها مِلْكًا لزوْجِها، إنْ رأتْ منه ما يُغضِبها لم يُخرجْها غضبُها عليه إلى حدِّ الثورة عليه، على حدِّ قول القائل:
إِنِّي لأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي
قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ

قال الطِّيبي: هذا الحصْر لطيف جدًّا - يعني: قولها: ما أهجُر إلا اسمَك - لأنَّها أخبرتْ أنها إذا كانتْ في حال الغضَبِ الذي يَسلُب العاقلَ اختيارَه، لا تتغيَّر عن المحبَّة المستقرَّة.

وفي اختيارِ عائشةَ - رضي الله عنها - ذِكْر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - دون غيرِه من الأنبياء دَلالةٌ على مزيدِ فِطنتها؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَوْلَى الناس به - كما نصَّ عليه القرآن - فلمَّا لم يكن لها بُدٌّ مِن هَجْر الاسم الشريف، أبدلتْه بمَن هو منه بسبيل؛ حتى لا تخرج عن دائرةِ التَّعلُّق في الجُمْلة"؛ ا.هـ "فتح الباري" (9/326).

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبينا محمَّد، وآله وصحبه.

الوقت من ذهب